السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )

173

مصنفات مير داماد

ولا تظنّنّ أنّ كونك محلّا لتلك الصّورة شرط في عقلك إيّاها . ألست عاقل ذاتك مع أنّك لست بمحلّ لها ، بل إنّما محليتك لها مصحّحة حصولها لك الّذي هو مناط عقلك إيّاها . فإن حصلت هي لك على جهة وراء الحلول ، لعقلتها من غير حلول فيك . ومن المنصرح : أنّ الحصول للفاعل ، في كونه تقرّرا رابطيا بالإضافة إليه ، أقوى من الحصول للقابل . فإذن المعلولات الذّاتية للعاقل الفاعل بذاته حاصلة له بأعيانها غير حالّة فيه ، فهو عاقل إيّاها بأنفسها وهويّاتها من غير أن تكون متقرّرة فيه . فإذ قد علمت أنّ البارئ الفاطر عاقل لذاته من غير تغاير بين ذاته وبين عقله لذاته في الوجود إلّا في اعتبار المعتبرين ، ودريت أنّ عقله لذاته علّة لعقله لمفطوره الأوّل الّذي هو من اللوازم الأوّلية لفيّاضيّة ذاته ، فقد استبان لك أنّه كما العلّتان - أعني ذاته تعالى وعقله لمفطوره الأوّل - شيء واحد في الوجود ، وإن لوحظ تغاير فيهما كان اعتباريا صرفا ، فكذلك المعلولان ، أعني مفطورة الأوّل وعقله إياه ، شيء واحد في الوجود غير معقول فيهما تغاير إلّا الاعتبارىّ الصّرف . فإذن ، وجود المجعول الأوّل هو بعينه عقل جاعله الحقّ إياه من غير صورة متقرّرة منه فيه ، تعالى عنه . وعلى هذه السنّة وجودات الجواهر العقليّة وما فيها من صور الموجودات [ 96 ظ ] المرسلة والشّخصيّة الكليّة والجزئيّة بأعيان تلك الجواهر والصّور ، وكذلك نظام الوجود على ما هو عليه بقضّه وقضيضه وضرّاته وذرّاته ، إذ الوجود منساق منه ، تعالى ، على الترتيب إلى التفصيل الّذي لا تفصيل بعده وقد تلونا عليك : أنّ كلّا من المعلولات الأخيرة كالكيانيّات وإن لم يكن مستندا إليه في السلسلة الطّوليّة من بدء الأمر إلّا أنّها مستندة إليه ، عزّ اسمه ، في السلسلة العرضيّة ابتداء بالذّات وبالقصد الأوّل . فكلّ معلول أخيرا في الترتيب ، كما يفتاق إلى الجاعل الحقّ من حيث إنّه علّة علّته ، فكذلك هو ، بما هو يفتاق إليه بالذّات مع عزل النظر عن المتوسّطات ، لكونه من الجائزات ، وطباع الجواز موجب الافتياق إلى الواجب بالذّات بتّة ، فالفاقة إلى القيّوم الحقّ ، والاستناد إليه طباعىّ كلّ ماهيّة ممكنة ، ومن خواصّ كلّ هويّة جائزة . وقاطبة الجائزات بأسرها بحسب هذه الفاقة والاستناد سلسلة عرضيّة منتهية إليه ،